باحثة إيرانية: غياب حقوق الإنسان عن طاولة التفاوض يضعف أي اتفاق محتمل
أكدت الباحثة في السياسة والعلاقات الدولية نيجار بارتو، أن المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة عملية هشة ومتعددة المستويات، حيث يبقى دور الوسطاء والاعتبارات الاقتصادية وتراجع الاهتمام بحقوق الإنسان عوامل حاسمة في مسارها.
شهلا محمدي
مركز الأخبار ـ دخلت عملية المفاوضات المستمرة بين إيران والولايات المتحدة منذ عقود مرحلة جديدة في الأسابيع الأخيرة، وذلك بعد توقيع مذكرة تفاهم، وفي هذا الإطار عُقدت اجتماعات في عدد من الدول الأوروبية، غير أن التقارير تشير إلى أن أجواء هذه المحادثات لم تكن مبشّرة.
مع استمرار المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة الأمريكية، تشير بعض الروايات إلى أن الوفد الإيراني انسحب من المحادثات في مرحلة ما، مما أثار تكهنات حول مستقبل العملية، وتبرز الآن تساؤلات حول تأثير هذه المحادثات على مستقبل إيران وإمكانية حل الأزمات، واحتمالية استمرار التوتر أو الصراع بين الطرفين، وهي تساؤلات يُقال إن إجاباتها ستتضح في الأشهر المقبلة.
في سياق الجدل الدائر حول مسار المفاوضات، تشير بعض التحليلات إلى أن الأحكام المطروحة في الجولات الأخيرة تميل في جوانب معينة لصالح الجمهورية الإسلامية، فيما تتصاعد انتقادات ترى أن قضايا الشعب وملفات حقوق الإنسان تراجعت في سلم الأولويات خلال العملية، وفي هذا الإطار أجرت وكالتنا الحوار التالي مع الباحثة في العلوم السياسية والدراسات الدولية نيجار بارتو للحديث عن مسار المفاوضات وتداعياته.
كيف تقيمين عملية المفاوضات بين إيران والولايات المتحدة في الأشهر الأخيرة، وهل يمكن أن تكون هذه المذكرة مؤشراً على اتفاق دائم وتخفيض حدة التوتر؟
الحقيقة هي أن ما نشهده اليوم هو مذكرة تفاهم هشة للغاية اتفاق تم التفاوض عليه مراراً وتكراراً، وأحياناً دون جدوى، وتوقف بل وتأجل عدة مرات، يُظهر هذا الوضع أن جزءاً من البنية السياسية الإيرانية في أمس الحاجة إلى مثل هذا الاتفاق لتخفيف وطأة العقوبات لا سيما في قطاعي النفط والبتروكيماويات.
تشير التقارير الحديثة إلى تعليق بعض القيود المفروضة على صادرات النفط والبتروكيماويات مؤقتاً وبشكل محدود لبضعة أيام وهو أمر قد يؤثر على مبيعات النفط، ولكنه لا يزال يُعتبر قصير الأجل وغير مستقر، عموماً تتسم العملية بالبطء والتقلب، وتواجه عدداً من القضايا العالقة.
من جهة أخرى، لا تقتصر هذه الأزمة على نزاع ثنائي بين إيران والولايات المتحدة، بل هي قضية متعددة الأوجه تضم أطرافاً متعددة بما فيها إسرائيل، لذا لا يمكن تحليلها من منظور نزاع ثنائي فحسب إضافة إلى ذلك، ينظر قطاع كبير من المجتمع الدولي نظرة نقدية إلى سياسات إيران النووية.
في غضون ذلك، أُضيفت قضايا مثل لبنان إلى هذه المعادلات المعقدة، فقد تسبب نظام السلطة المزدوج في لبنان ودور حزب الله في مواجهة الحكومة اللبنانية لقصور خطير، لدرجة أنه أدى إلى ظهور ثغرات وتفاوتات في تقديم الخدمات العامة والاقتصادية، وقد جعل هذا الوضع من لبنان إحدى النقاط الحساسة في التوترات الإقليمية.
وعلى الصعيد الإقليمي، أدت المصالح المتداخلة والاختلافات بين مختلف الجهات الفاعلة، بما في ذلك الحكومة اللبنانية وإسرائيل وإيران إلى تعقيد الأزمة، أما داخل لبنان فلا يزال النقاش مستمراً حول مستقبل حزب الله ودوره في البنية السياسية والأمنية للبلاد، وقد انعكست هذه التطورات أيضاً داخل إيران، ومع ازدياد الانقسامات السياسية الداخلية، أكدت بعض التيارات على ضرورة التوصل إلى اتفاق، بينما عارضته تيارات أخرى وفي نهاية المطاف، جعلت هذه الخلافات الداخلية والإقليمية مسار المفاوضات أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ.
إضافةً إلى كل هذه القضايا، تبقى قضية حقوق الإنسان نقطة انتقاد رئيسية، وتشير تقارير عديدة إلى عمليات إعدام واعتقالات وضغوط على المتظاهرين بمن فيهم الطلاب، وتؤكد بعض المؤسسات الدولية على ضرورة أن يكون لحقوق الإنسان مكانة واضحة في أي اتفاقية.
مع ذلك عملياً لا تُبدي إيران ولا العديد من الوسطاء والأطراف المعنية رغبة جادة في إدراج حقوق الإنسان في المفاوضات، إذ يقتصر تعريفها في الغالب على القضايا الداخلية، وقد أدى هذا فعلياً إلى تهميش حقوق الإنسان في عملية المفاوضات.
كيف ترين إمكانية إدراج حقوق الإنسان، وحقوق النساء والأقليات في إيران ضمن مسار المفاوضات، في ظل دور دول وسيطة مثل باكستان التي تواجه تحديات مشابهة، أم أن طبيعة الوساطة تستبعد هذه القضايا وتحدّ من أي ضغط دولي فعال؟
أعتقد أنه لا ينبغي لنا أبداً، تحت أي ظرف من الظروف أن نسمح لأنفسنا بالإحباط، فهذا في الواقع حق للمرأة في هذه المنطقة ويجب أن يستمر النضال من أجله، لكن النقطة المهمة التي ناقشتها أيضاً هي أنه في كل هذه الحروب بين إيران وإسرائيل وباكستان وقطر والمملكة العربية السعودية، لا يُنظر إلى أي امرأة تقريباً على أنها صانعة قرار في أي من المفاوضات، وصوت المرأة على المستويات الرسمية ضعيف للغاية.
لا أقول إن الأمر يقتصر على إيران وحدها، فإيران تعاني من مشاكلها الخاصة، لكن الدول الوسيطة ليست في وضع أفضل حالاً، فباكستان وأفغانستان تواجهان أيضاً أزمات خطيرة في مجال حقوق المرأة ومع ذلك نرى اهتماماً أقل جدية بهذه القضية على المستوى الرسمي، في المقابل فإن أكثر الأصوات المسموعة هي أصوات الناشطات من إيران وكردستان وغيرها من المناطق، اللواتي يتخذن موقفاً ويتضامنّ مع المرأة الأفغانية.
ومع ذلك، فأنا متفائلة لأن هذا الوضع قد قرب النساء في المنطقة من بعضهن البعض وخلق مزيداً من التضامن بغض النظر عن اللغة التي نتحدثها لا توجد قوة بدون تضامن.
تُظهر مناقشات الأقليات، من بلوشستان إلى أوضاع الأتراك والمهاجرين، وجود أشكال مختلفة من التمييز والتحديات في عدد من الدول، وهي قضايا نادراً ما تُطرح بجدية على المستوى الرسمي، وفي موازاة ذلك، تتراوح التوقعات بشأن الاتفاقات الجارية بين احتمال أن تقود إلى سلام دائم أو أن تنتهي إلى طريق مسدود، في ظل الحاجة إلى تغييرات جوهرية وتخفيف العداوات المتجذرة، بينما تواصل النساء مقاومتهم وتتسع الانقسامات داخل الحكومات حول مستقبل المفاوضات.
ويبرز السؤال هنا حول أسباب استبعاد تركيا بدايةً من خيارات الوساطة، ثم اختيار باكستان، قبل الانتقال إلى طرح دولة أوروبية لاستضافة المحادثات، إضافة إلى تأثير هذه التحولات على مسار التفاوض وما إذا كان الحضور الأوروبي قد يفضي إلى نتائج مختلفة.
إلى أي مدى يعكس دور الدول الأوروبية في المفاوضات سعيها لخفض التوترات فقط، أم أن مصالحها السياسية والاقتصادية حاضرة أيضاً، وما التأثير المحتمل لهذه الأجندات على مستقبل العملية التفاوضية؟
كانت تركيا ترغب في البداية بلعب دور الوساطة ولكن نظراً لتعقيد علاقاتها مع الولايات المتحدة والتوترات التاريخية والسياسية مع واشنطن لم تستمر في لعب هذا الدور بشكل بارز، وقد اتسمت العلاقات بين أنقرة والولايات المتحدة بالخلافات في أوقات مختلفة، وفي الوقت نفسه سعت تركيا إلى تبني سياسة خارجية أكثر استقلالية بما في ذلك تجاه إسرائيل، وقد صعّبت هذه المواقف إلى جانب بيئة إعلامية ومجتمع مدني أكثر نشاطاً، على تركيا لعب دور محايد.
تم اقتراح باكستان لاحقاً لاستضافة المحادثات، وهو اختيار يعود جزئياً إلى موقعها الجغرافي وعلاقاتها الأكثر توازناً مع الأطراف ولكن الأهم من ذلك إلى غموض بيئة المفاوضات، حيث حدت التقارير الإخبارية المتضاربة وانعدام الشفافية الرسمية من إمكانية الاستضافة في دول ذات بيئات إعلامية أكثر انفتاحاً، في ظل هذه الظروف، تمكنت باكستان من لعب دور أقل هامشية كوسيط على الرغم من أن هذا الخيار لم يخلُ من التحديات.
في المرحلة التالية، نُقل جزء من المناقشات إلى الدول الأوروبية، وتُعد أوروبا أكثر انخراطاً في هذه العملية من حيث الحسابات الاقتصادية والطاقية، لأنها على عكس الولايات المتحدة تعتمد بشكل أكبر على تدفق مستقر للطاقة وأي انقطاع فيها قد يؤثر على اقتصادها وقطاع النقل والسياحة، وتُعتبر دول مثل فرنسا وإيطاليا والبرتغال أكثر عرضة للخطر بل إن اقتصادات أكثر تصنيعاً مثل ألمانيا تعتمد أيضاً على استقرار الطاقة.
ونتيجة لذلك، يركز دور أوروبا بشكل أكبر على الحفاظ على الاستقرار على المدى القصير وإدارة التداعيات الاقتصادية بدلاً من الانخراط بعمق في الأبعاد السياسية والأمنية للأزمة.
ما الانعكاسات الاقتصادية المحتملة لمذكرة التفاهم ومسار المفاوضات على معيشة الشعب الإيراني، وهل يمكن أن ينعكس أي اتفاق على حياة الناس اليومية فعلاً، أم أن المكاسب ستظل محصورة ضمن النخبة السياسية والاقتصادية دون تخفيف ضغوط المعيشة عن المواطنين؟
إذا نظرنا إلى الوضع الاقتصادي، فإن المشكلة لا تقتصر على صرف الموارد المالية في دول مثل قطر؛ إذ تُصرف هذه الأموال عادةً في صورة برامج غذائية ودوائية محددة، وليس نقداً لدعم الاقتصاد المحلي بشكل مباشر، وقد أظهرت التجارب السابقة أيضاً أن هذه الموارد تُستخدم في الغالب لإدارة الأزمات قصيرة الأجل بدلاً من الاستثمار المستدام والتنموي.
تُظهر التجارب أن العقوبات لا تُرفع عادةً بشكل كامل، بل تتبدل طرق الالتفاف عليها، ما يُبقي البنية الاقتصادية في إيران محدودة وغير شفافة، ويثير تساؤلات حول قدرة أي اتفاقيات جديدة على تحقيق تنمية وطنية حقيقية، فالتنمية المستدامة تتطلب استثمارات دولية مستقرة، وهو أمر لا يتحقق من دون خفض التوترات السياسية وتعديل نهج السياسة الخارجية، وإلا ستظل مؤشرات الاستثمار منخفضة وتبقى تدفقات رأس المال الأجنبي محدودة، وتبرز هنا فجوة أساسية بين احتمال انتقال البنية السياسية نحو اقتصاد تنموي، وبين استمرارها في دائرة التوترات والإيديولوجيات وهو ما قدر يرسم مسارين مختلفين لمستقبل البلاد، وفي موازاة ذلك يواصل المجتمع المدني لعب دور مؤثر، إذ أثبت حضوره في التطورات الأخيرة، فيما تبقى حركة Jin Jiyan Azadî نقطة محورية في الذاكرة الاجتماعية والسياسية الإيرانية.